إن الإرتفاع الهائل الذي شهده سعر البترول محطماً رقماً قياسياً جديداً141.5 $ أسقط أسطورة قديمة كان يرددها كثيرٌ من المستشارين الإقتصاديين لدى الدول المنتجة للنفط.لقد كانوا يزعمون أن إرتفاع سعر النفط سيؤدي حتماً إلى تناقص الإستهلاك ............محاضرة القاها الدكتور نادر الشيخ الغنيمي في لقاء الاربعاء 15 / 10 2008 في ملتقى الرواد
إرتفاع أسعار البترول تهاوي أساطير وبدء حروب إقتصادية
إن الإرتفاع الهائل الذي شهده سعر البترول محطماً رقماً قياسياً جديداً141.5 $ أسقط أسطورة قديمة كان يرددها كثيرٌ من المستشارين الإقتصاديين لدى الدول المنتجة للنفط.لقد كانوا يزعمون أن إرتفاع سعر النفط سيؤدي حتماً إلى تناقص الإستهلاك ومن ثم البحث عن البدائل .هذه الحجة كانت تساق وسعر البترول لم يتجاوز 20 $ ونرى الآن أن سعر النفط تضاعف سبعة أضعاف ومازال الإقبال على النفط على أشده وتجاوز إمكانيات الإنتاج عند الدول المنتجة.لقد حرم هذا الزعم شعوب الدول المنتجة إيرادات ضخمة في الماضي وكان أحد أسباب إرهاق العراق في نهاية الثمانينات.
أما الأسطورة الثانية فهي أن دول أوبك تقف وراء إرتفاع أسعار النفط . لدرجة أن بعض رجال الكونغرس تنادوا لسن قانون يتهم دول الأوبك بالإحتكار ويطالب بفرض عقوبات عليها ونجحوا أخيراً بإستصدار هكذا قانون وهذا يدل على سطحية في التفكير وتغاضي عن الحقائق !!وفيما يلي بعض الحقائق التي تلقي بعض الضوء على أسباب إرتفاع النفط.
حين أشار السيد آلن غرينسبان الرئيس السابق للإحتياط الفدرالي الأمريكي في كتابه الجديد (عهد الإضطرابات) أن الهدف من شن الحرب على العراق هو السيطرة على البترول وأحرج بذلك الإدارة الأمريكية ووضع النقاط على الحروف .ولكنه لم يُشبع هذا الموضوع تحليلاً .فلقد أشار فقط أن نهم أمريكا للبترول دفعها للحرب على العراق.ولكنه كان يعلم أن أمريكا لجأت إلى الحرب من فائض قوة عسكرية طاغية ولكن تخفي وراءها ضعفاً إقتصادياً بدأ يلوح في الأفق. إن سياسة الولايات المتحدة تقوم على التعامل مع منابع النفط كانها من أصول راسمالها. فبالإضافة إلى عقيدة الرئيس كارتر الإستراتيحية التي حدد فيها أن التدخل سيكون مباشراً إذا أحست امريكا بأي تهديد على هذه الأصول .إلا أن السيد كيسنجر قد تجاوزه بكثير إذ وضع خطة لإحتلال منابع النفط وطرد السكان ووضع اليد على المنابع مباشرةً. .
لا تهم الشكليات أو السيادة على المنابع فطالما أن النفط يتم تسعيره بالدولار فإنه يبقى سنداً
الذي يعتمد على قوة الولايات المتحدة ونفوذها. للدولار الذي أصبح يعرف ب
لا يهم من تكون الجهة القابضة الحقيقية او مدى العائد الحقيقي للبلاد المنتجة فالمهم أن ثمن النفط يُدفع بالدولار مما يعني أنه يلزم شراء الدولار على علاته لشراء البترول. إن ثمن الإنتاج العالمي للبترول لهذا العام على هذه الأسعار سيتجاوز 4 تريليون دولار أي حوالي 30% من حجم التجارة العالمية للسلع والمنتجات لعام 2007 التي بلغت 13.9 تريليون.لاشك أن إرتفاع الأسعار يعود بالفائدة على الولايات المتحدة تفوق الأضرار الناتجة عن تناقض القدرة الشرائية للمستهلك الأمريكي.
إن الصين والهند قوتان إقتصاديتان ناشئتان تنموان بشكل سريع مقارنة بالمعايير العالمية. ولأن إقتصاد البلدين مازال طري العود فإن إرتفاع أسعار النفط سيضع عراقيل عديدة ومكابح ورياح جبهية على نمو إقتصاد البلدين.ولابأس من زيادة أسعار النفط من أجل هذه الغاية. لقد إكتشفت الولايات المتحدة أن سياساتها الماضية في المطالبة بإبقاء أسعار النفط تحت السعر المنطقي أفاد الدول التي تُعتبر من خصومها الإقتصاديين.فبدأت الولايات المتحدة تشكك بجدوى تحمل عبء مجابهة مصلحة البلدان المنتجة للنفط وشعوبها لتقطف ثمار السعر المتدني دولاً بدأت تزاحمها في الشؤون الإقتصادية . ولقد أقدمت الصين بتاريخ 19/6/2008 بالإعلان بأنها ستقوم برفع الدعم عن البترول وعزمت النية على خفض عدد السيارات إلى النصف فتحقق لأمريكا بعض مبتغاها وإنحسر سعر البترول 5 دولارات يوم الجمعة 20/6 لهذا السبب ثم عاود الإرتفاع لما نشرت نيويورك تايمز قصة المناورات الإسرائيلية للتدرب على ضرب أهداف إيرانية نووية.
أما أوروبا فلقد لعبت دوراً إنتهازياً فلقد إستفادت من واقع أن أسعار النفط متدنية لتملأ خزائن دولها من ضرائب عالية جداً على إستهلاك النفط وتزداد الإنتهازية حين يتم ذلك تحت حجة حماية البيئة.
بالنظر إلى إلى سعر الغالون بنزين في بعض الدول الأوروبية في عام 2007 في الفترة التي كان سعر النفط 70$(جدول1) للبرميل ومقارنتها بالأسعار في الولايات المتحدة لهالنا الفرق الشاسع الذي يصب معظمه في خزينة الدول.فبينما كان سعر الغالون في الولايات المتحدة 3.1 $ فإن السعر في النروج وهي منتجة للنفط كان الأعلى وبلغ 7.76$وتتقارب الأسعار في كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وحتى تركيا إذ تراوحت بين 6.5و7 $ للغالون.اما الصين فأنها تدعم جرئياً السعر ووصل إلى 2.44 أما في سوريا فكان حوالي 2.4$ للغالون والسعودية 0.45$.
إن المضاربين في الأسواق يبحثون عن فرص للربح فهم يفتشون عن مظاهر تشير إلى كون السعر الحالي لأي سلعة لايمثل توازناً ويضاربون حسب توقعاتهم إلى أن تثبت السوق صدق توقعاتهم وأحياناً كذبها. فمثلاً حين كان بنك إنكلترا يدعم الجنيه مقابل المارك بشكل مصطنع في بداية التسعينات أحس المضاربون بأن هذا لن يدوم وبدؤوا بالمضاربة على الجنيه فازداد الضغط عليه رغم مكابرة البعض إلى أن إضطر بنك إنكلترا إلى تخفيض عملته بنسبة 15% ولقد جنى أحد المضاربين (جورج سوروس) 1.5 مليار جنيه على حساب دافعي الضرائب.
لقد توصل المضاربون إلى نتيجة منطقية وهي أنه إذا كانت الحكومات الأوروبية تفرض ضرائب هائلة على مشتقات البترول فهذا دليل على أن القيمة الحالية للبترول أقل من السعر الحقيقي وإلا كيف تفرض الدول ضرائب تضاعف سعر البنزين إذا كان ذلك سيؤدي إلى ضعف الإقتصاد أو نقص في القدرة الشرائية وثقة المستهلك.إن فرض الحكومات الأوروبية ضرائباً مرتفعة على البنزن لإتخام ميزانياتها لم يكن ليتم لو أن البترول يباع بسعر مرتفع يعادل قيمته الحقيقية.وحتى لو صحت مقولة حماية البيئة فإن السعر المرتفع سيؤدي المهمة لحماية البيئة.
فمثلاً في لبنان حين إرتفع سعر النفط لم يعد بإمكان الدولة فرض ضرائب بنفس النسب السابقة لعدم قدرة الناس على مجاراة ذلك.إن أوروبا تتحمل مسؤولية كبيرة عن رفع أسعار النفط.ويحاول كثيرٌ من الساسة عدم تسليط الضوء على ذلك والمحاولة بإنتهازية توجيه اللوم إلى الدول المنتجة.ولكن هذا لم يمر على المضاربين فبالنسبة لهم فإن البترول يباع بأقل من سعره والدليل أن هناك من يفرض ضرائباً عالية جداً عليه مما يدل على أن تركيبة الأسعار تتحمل ذلك ولابد أن يرتفع السعر.
إن الولايات المتحدة لا تفرض ضرائب عالية على النفط وإن إرتفاع أسعار النفط ستؤدي حتماً إلى تخفيف نسبة الضرائب والإيرادات في أوروبا .ويشعر بعض الساسة الأمريكيين أن فرض الضرائب بهذا الشكل غير منصف للتنافس.ولهذا تخلت الولايات المتحدة عن فرض سعر متدني للنفط يستفيد منه كثيرٌ من منافيسيها في أوروبا أكبر منافس إقتصادي لأمريكا .فلا ضير أن يؤدي إرتفاع سعر النفط إلى إرباك ميزانيات بعض الدول الأوروبية. .
قد يظن البعض أن إرتفاع سعر اليورو بالنسبة للدولار قد إمتص كامل الصدمة.إلا أننا بالنظر إلى الجدول رقم 2 فإننا نجد ان نسبة ثمن الغالون المئوية على الناتج القومي الفردي ليوم واحد في الولايات المتحدة لا يتجاوز 2.54% بينما في ألمانيا وفرنسا فيتجاوز7.5% وفي الصين 12%.مما يشكل عبئاً أكبر على المستهلك وفي سوريا يشكل 48%.
إن الولايات المتحدة تتبع سياسة جديدة تجاه أسعار النفط تتشابه مع سياستها تجاه إنخفاض الدولار BENIGN NEGLECTوهذه تعرف بإسم الإهمال الحميد .
فرغم التصريحات ين آونةٍ وأخرى بأنها تريد دولاراً قوياً إلا أنها تتغاضى عن إنخفاض الدولار بحجة أنها لا تؤمن بالتدخل بالأسواق, ففي مجال النفط فبالرغم من التصريحات العلنية بأن سعر النفط مرتفع إلا أنها تتغاضى عن الإرتفاع المستمر ولا تقوم بضغوط حقيقية علىالمتسببين برفع سعر البترول. ونذكر جيداً أنه في السابق حين يرتفع سعر النفط كانت الولايات المتحدة تلوح بأنها ستطرح من مخزونها الإستراتيجي في الأسواق بالتزامن مع الدول الأخرى مما يؤدي إلى هدوء الأسواق وخوف المضاربين من المجازفة. أما الآن فحين كان سعر البترول 70$ للبرميل كانت الولايات المتحدة تزيد من مخزونها مما أرسل رسالة إلى المضاربين بأنها تتوقع إرتفاعاً بالأسعار.ولم تلجأ كما كان مفترضاً بمباغتة الأسواق وطرح كمية من المخزون مما سيؤدي إلى هلع المضاربين وتصفية محافظهم ويقدر أن هناك تقريباً 40 دولاراً من السعر يعود إلى المضاربة.
لقد دعت المملكة العربية السعودية إلى مؤتمر لمناقشة أسباب إرتفاع سعر البترول عقد في جدة بتاريخ 22/6/2008حاول فيه المستشارون الإقتصاديون للدول المنتجة أن يعروا حقيقة إرتفاع أسعار البترول ولم يرضوا بأن تكال الإتهامات إلى دولهم ظلماً علماً أن معظم الدول تنتج أقصى طاقتها وإن رفع السعودية لإنتاجها بمقدار 200ألف برميل من النفط الثقيل لن يغير شيئاً بل على العكس أعطت إنطباعاً خاطئاً وكأنها فعلاً لها دور في رفع الأسعار. أما الكذبة الكبرى بتكليف البنك الدولي بالتحقق من أسباب إرتفاع سعر البترول فإنها كمن يوكل الغنم إلى الذئب . لقد شكل المضاربون وصناديق التحوط لوبياً قوياً يصعب الإشارة إليه بالبنان. لم يؤثر المؤتمر على أسعار البترول بل على العكس إرتفعت أسعار البترول يوم الأثنين بعد المؤتمر لأن المضاربين لم يروا أي تغيير حقيقي في المواقف.
بتاريخ 23/6/2008 صدرت دراسة عن اللجنة المكلفة من الكونغرس بدراسة دور المضاربة في الأسواق الآجلة للبترول تبين لها أنه بينما كانت نسبة المضاربين لاتتعدى 33% من المشاركين عام 2000 أصبحت اليوم 71% أما الشركات المنتجة للنفط والمستهلكين فلقد أصبحت نسبتهم 29% فقط وهذا يؤكد أنه ما لم يوجد حل لإيقاف المضاربة العشوائية فإنه لا أمل بالسيطرة على أسعار البترول . وبعد أن سجل البترول يوم الخميس 26/6/2008 رقماً قياسياً جديداً صادق الكونغرس على بعض الإجراءات للحد من تأثير المضاربين ولكن لن يكون لها أثراً كبيراًً مالم تحل مشكلة المضاربة بشكل جذري لكن وفي اليوم التالي سجل البترول رقماً قياسياً جديداًقارب من 142$. .
نفحة إنسانية : بعد ما ذكرنا يتبن لنا أن دول الأوبك ليست مسؤولة عن إرتفاع النفط وبالرغم من ذلك فإن وصول الأسعار إلى هذا الحد بشكل سريع رغم أنه أقرب إلى السعر العادل إلا أنه لا يمكن نكران أن هناك دولاً فقيرة بدأت تعاني من ذلك بشكل واضح .إن دول الأوبك وخاصةً الخليجية منها يجب أن تنظر إلى ذلك بعين الشكر لنعم الله وتشعر بالمسؤولية الإنسانية الملقاة على عاتقها .فإذا كان رئيس فنزويلا السيد شافيز مشكوراً يقوم بتقديم البترول بسعر مخفض إلى فقراء أمريكا بما في ذلك داخل الولايات المتحدة فالأولى بدول الخليج أن تقدم بعض الدعم لدولٍ شقيقة وأفريقية عانت شعوبها من صراع الجبابرة فليس شافيز بأكرم من شعوبها وحكامها وليست هذه الدول الفقيرة بأقل حاجة من فقراء الولايات المتحدة . إن تقديم العون بشكل أسعاراً مخفضة للنفط يخفف من معاناة الشعوب الفقيرة ويعطي الفرصة لتحسين صورة الدول المنتجة فضلاً عن زيادة نفوذها .فإن كان البترول بسبب موازين القوى لم يعد بالإمكان إستخدامه كسلاح فإنه لازال بالإمكان إستخدامه كأداة للعلاقات العامة. ولقد تبرعت المملكة بإنشاء صندوقاً بمليار دولار لمساعدة الدول الفقيرة على إستيراد النفط إن هذه بداية جيدة لكنها لاتتناسب مع حجم العبء الذي تتعرض له الدول الفقيرة التي أثقلت فاتورة الوقود ميزانياتاها. .
الدكتور نادر الشيخ الغنيمي
algenaimi@yahoo.com